أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
22
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثامن : أنه منصوب ب : « كَذَّبُوا بِآياتِنا » ، والضمير في « كَذَّبُوا » على هذا لكفار مكة وغيرهم من معاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي : كذّبوا تكذيبا كعادة آل فرعون في ذلك التكذيب . التاسع : أنّ العامل فيه قوله « فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ » أي : فأخذهم اللّه أخذا كأخذه آل فرعون ، وهذا مردود ، فإنّ ما بعد الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها ، لا يجوز : « قمت زيدا فضربت » ، وأما « زيدا فاضرب » فقد تقدّم الكلام عليه في البقرة . وقد حكى بعض النحويين عن الكوفيين أنهم يجيزون تقديم المعمول على حرف العطف فعلى هذا يجوز هذا القول . وفي كلام الزمخشري سهو فإنه قال : « ويجوز أن ينتصب محلّ الكاف ب « لَنْ تُغْنِيَ » أو « بخالدون » أي : لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك ، أو هم فيها خالدون كما يخلدون » ، وليس في لفظ الآية الكريمة « خالدون » إنما نظم القرآن : « وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ » ويبعد أن يقال أراد « خالدون » مقدّرا يدلّ عليه سياق الكلام . قوله : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يجوز أن يكون مجرورا نسقا على آل فرعون وأن يكون مرفوعا على الابتداء ، والخبر قوله بعد ذلك : « كذّبوا بآيات اللّه » وهذان الاحتمالان جائزان مطلقا . وخصّ أبو البقاء جواز الرفع بكون الكاف في محلّ الرفع فقال : « فعلى هذا - أي على كونها مرفوعة المحلّ خبرا لمبتدأ مضمر - يجوز في « وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » وجهان : أحدهما : هو جرّ بالعطف أيضا ، و « كَذَّبُوا » في موضع الحال ، و « قد » معه مضمرة ، ويجوز أن يكون مستأنفا لا موضع له ، ذكر لشرح حالهم ، والوجه الآخر أن يكون الكلام تمّ على فرعون و « الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » مبتدأ ، و « كَذَّبُوا » خبره . والدّأب : العادة ، يقال : دأب يدأب أي : واظب ولازم ، ومنه : « دأبا » « 2 » أي : مداومة . وقال امرؤ القيس : 1188 - كدأبك من أمّ الحويرث قبلها * وجارتها أمّ الرّباب بمأسل « 3 » ويقال : دأب يدأب دؤوبا ، قال زهير : 1189 - لأرتحلن بالفجر ثمّ لأدأبن * إلى اللّيل إلّا أن يعرّجني طفل « 4 » وقال الواحدي : « الدأب : الإجهاد والتعب ، يقال : سار فلان يومه كلّه يدأب فيه فهو دائب ، أي : أجهد في سيره ، هذا أصله في اللغة ، ثم يصير الدأب عبارة عن الحال والشأن والعادة ، لاشتمال العمل والجهد على هذا كله ، ولذا قال الزمخشري : « الدأب : مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه ، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله » ويقال : دأب ودأب ، بسكون الهمزة وفتحها ، وهما لغتان في المصدر كالضّأن والضّأن ، والمعز والمعز . وقرأ حفص « سبع سنين دأبا » ، بالفتح ، قال الفراء : « والعرب تثقّل ما كان ثانيه من حروف الحلق كالنّعل والنّعل والنّهر والنهر والشّأم والشّأم » وأنشد : ( 1 ) البحر المحيط 2 / 389 .
--> ( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 47 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر ديوانه ( 84 ) ، البحر 2 / 372 . قوله : « لأد أبن » من الدؤوب في السير ، يعرجني : يحبسني . الطفل : الوليد وقيل : النار ساعة تقدح .